الجمعة، 29 فبراير 2008

KFUPM Students' Shares

من الأشياء التي سأفتقدها بعد تخرجي من الجامعة هي "الشيرات" الموجودة على أجهزة الطلبة في اسكان الطلاب. هذه "الشيرات" (أو Shares) هي عبارة عن ملفات خصصت كي تكون مرتعا لمواطن الأفلام وبساتين الكتب. و لا حاجة للباحث عنهما أن يطرق على أصحابها الأبواب أو أن يطلب إذنهم في ذلك، فله أن يدخل متى ما شاء ويصيب منها ما يشاء. وليس على الزائر إلا أن يأتي فيصيب من بعض أفلامها و"يقطف" كتبا من بساتينها من دون أن يلزم بمقايضة أو دفع مال.




ولو جاز لنا أن نقيس تلك الشيرات بما نراه ونعايشه واقعا، لقلنا أنها أشبه ما تكون بمجمع تجاري ضخم حوى متاجر عدة، بضاعتها من صنوفٍ شتى، أنطلق أصحابها على مبدأ [يوزع مجانا ولا يباع].




وقد عقدت النية قبل خروجي من الرياض أن أحمل معي عائدا(طبعا بجانب الوثيقة) من الأفلام والكتب ما يتسع لقرص صلب خارجي بأكمله خصصته لهذا الهدف نفسه. ولا زلت في لحظتي هذه ألج تلك المتاجر واحدا تلك آخر فأركم ما بلغته يداي من أفلام و كتب داخل ذاك القرص، حتى ملأته بالكامل أو كدت. ولو نطق ذاك القرص بلسان عربي مبين، لقال عن قهر وضيق نفس: [ ثكلتك مدونتك يابن موسى!أصابني التكور من كثرة ما جرعتنيه].






ولربما يخطر على قلب القارئ أو القارئة الكريمين، ما السبب الذي جعلني أرجئ الحشو والغرف إلى ساعة التخرج هذه؟ أما كان لي أن أقوم بذلك في بداية الفصل أو حتى قبل نهايته؟ فأجابته أقول هو أني كنت أصيب من تلك الملفات ما اشتهته نفسي، فكنت زوارا قواما على ما هو جديد ومحدث سواءا في بداية الترم أم في وسطه. بل إني كنت أغشاها حتى في الفصول السابقة. إلا أن أصابتي منها لم تكن إلا قليلا يسيرا، لانشغالي وقتئذ بما هو أهم منها على الصعيد الأكاديمي والاجتماعي. أما بعد أن فرغت من هذين الأخيرين-وخصوصا الأكاديمي-، فقد آن لي وطاب أن أشرع في التنزيل والتحميل سويعاتنا هذه.









هاتان الصورتان مجرد عينة تفصح عن معدل سرعة التحميل داخل شبكة الإسكان. فلا يجد المُنزّل صعوبة في تحميل برامج أو أفلام يبلغ حجمها حتى جيجا بأكمله. ولو قارنت بين سرعة التحميل بين الشبكة في إسكان الطلاب ومنزل الوالد، لكان الفرق كبيرا والمقارنة صعبة. فالتحميل من خارج الشبكة يصل كحد أقصى إلى 200 Kbps هذا إن كانت سرعة الإتصال 1024 Kbps. أما ما هو موجود في الجامعة، فيصل سرعة التنزيل إلى 10.0 Mbps !! ففيلم حجمة جيجا واحد تستطيع تنزيله في دقيقتين أو ربما أقل من ذلك!




يالسعادة طلبتها ويا لتعاسة المتخرجين منها(كحالي). فمن أعتاد على أمر ثم نزع منه فجأة، سيجد فراغا يصعب عليه سده ورقعه رغم أنه قد توجد بدائل لكن في وقتي الحالي هذا نادرة صراحة.





طبعا بعد أن أفرغ نهائيا من الظهران واذهب إلى مقر عملي، (وبسبب أني اعتدت على هذه الشيرات فما عدت أقدر على فراقها) فسوف أوصي بعض أصدقائي ممن لم تحن ساعة تخرجهم بعد أن يغرف ويحشو منها نيابة عني.

(:

الخميس، 28 فبراير 2008

بيان من مدونة ابن موسى

بفضل من الله، تم القبض على المدعو: خاطر من شغب (صدري الجنسية- نسبة إلى الصدر) عند قيامه بإثارة شغب وقت كتابة موضوع من موضوعات المدونة. وأسفر التحقيق معه عن إدانته بما نسب إليه وبإحالته إلى محكمة الخواطر وقد صدر بحقه صك خواطري يتضمن ثبتوت إدانته إذكاء نار الشغب وإثارتها والحكم بضرب عنقه تعزيرا وصدق الحكم من محكمة التمييز الخواطرية ومن مجلس الخواطر الأعلى بهيئته الدائمة وصدر أمر قلمي يقضي بانفاذ ما تقرر خواطريا. وقد تم تنفيذ الحكم في المدعو خاطر بن شغب قبيل خمس دقائق مضت في مدونة ابن موسى عند الموضوع الذي أثار فيه شغبا.
و القلم إذ يعلن ذلك ليؤكد للعموم حرص صاحب المدونة -حفظه الله- على محاربة الشغب بأنواعه لما يسببه من أضرار جسيمة على المعنى وسلاسته إلى عقل المطلع، وإيقاع أشد العقوبات على مرتكبيه مستمدا منهجه من موضوعه أنا ابن موسى وطلاع الخواطر. وهي تحذر في الوقت نفسه كل من يقدم على ذلك بأن العقاب الخواطري سيكون مصيره.
والله الهادي إلى سواء السبيل
(:


إطلاق سراح خاطر فاسد، وتقييد آخر نفيس

ليكن في علم القارئ والقارئة الكريمة، أني احرر في بعض الأحايين مواضيع هذه المدونة وذلك بسبب خاطر لاح علي وقتها فأجد فيه من الوضوح والسلاسة غير ما كنتُ أجده في صاحبه القديم، فلذلك أوثر ما يوصل المعنى مباشرة إلى عقل القارئ على المجانب الحائد عنه. فوجب انتزاع الخاطر القديم ذاك من موضعه[وأرميه تبعا في سلة المهملات إن كان أهلا لأن يُرمى فيها وإلا ضرب عنقه أولى (: ] ثم استبداله بخاطر جديد غير ذي عوج.



لذلك وجب التنبـيــــــــــــــــــــــــــــــــــه



حرره ابن موسى وطلاع الخواطر


(:

The Zahir (الظاهر)




انهيت قبل قليل قراءة قصة الروائي البرازيلي باولو كويلو (Paulo Coelho)- أو كما يسميه البعض باولو أويلو- أسمها -حرفيا- الظاهر The Zahir. يسرد لنا باولو في قصته هذه حكاية رجل لم يعي قدر الحياة التي عاشها مع زوجته فأهملها لنزعات نفسية فيه تحول دون أن تبق زوجته معه. فبسبب تلك النزعات والإضطرابات غير المتزنة من قبل زوجها، عملتُ الزوجة على أن تلقن زوجها درسا استمر لمدة سنتين وبضعة أشهر. فقامت باختلاق حادثة قَتْلٍ ثم تركت لزوجها عن دون علم منه خيوطا تجره إلى حقيقة القصة المختلقة هذه، وإلى الهدف الذي رسمته له. فتبين له أن الهدف هو أن يبحث عنها، فلإن عقد نيته وشد عزمه على سلوك الطريق الموصل إليها، ليكونن قد ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول لقياه زوجته والآخر وقوع محبته لزوجته في سويداء قلبه الأمر الذي يحول دون أن حتى يفكر في تركها مرة أخرى. يمر صاحبنا في القصة بدروس كثيرة تعلمها في طريق البحث عن زوجته، فقد أخذ على يدي أناس كثر. ولم يقتصر أمره على ان استقى ممن لقيهم في طريقه إلى زوجته دروسا وعلوما فقط، بل إنما وجدهم أيادٍ مهدت له طريقه وساعدت في إزاحة العقبات عنه (كما فعل ذلك ميخائيل، ذاك الرجل الإزباكيستاني).




المؤلف حاك روايته هذه وعنونها بكلمة عربية ألا وهي الظاهر(هكذا!). والسبب في اقتناء هذه الكلمة وذلك لأن الظاهر-كما نقل باولو عن شخص يدعى بـJorge Luis Borges- هو استيلاء امر ما أو شخص ما على قلب وعقل وجوارج شخص آخر، فلا يستطيع هذا الأخير أن يسير قدما وانتاجا في حياته إلا وذاك الظاهر يلوح له في أي مكان ذهب إليه أو مع أي شخص بقي معه. فلا يزال ذاك الظاهر آخذٌ بلب ذاك الرجل، فلا يستطيع التخلص منه إلا أن يقوم بما يمليه عليه حتى وإن كان على حتف نفسه. ونقل عنه كذلك أن جورج هذا استقى تلك المعلومة من التراث الإسلامي! وأنا صراحة -رغم توغلي العميق فيما هو إسلامي سواءا على مستوى عقدي أم تاريخي، لم أسمع ولم أقرأ عنه من قبل.


طبعا الظاهر هو تماما ما حصل لبطل الرواية، فلم يهنأ له بال ولم يذق لذة عيش حتى يفرغ من بحثه عن زوجته. حتى أن ذاك الظاهر- الزوجة- سخرتْ جوارحِه من حيث لا يعلم فجعلتْه يؤلف رواية (البطل نفسه في الرواية يؤلف رواية) تكلم فيها عن حبه وهيمانه بها وشدة شوقه للقياها. فما كانت جروحه تندمل بالكلية إلا وينكأ ذكر زوجته جروحا أخرى فتعاود تشخب دما.


القصة جيدة لكن لا توازي ولا حتى تداني رواية 11 minutes (إحدى عشرة دقيقة) أو The Witch of Portopillo (ساحرة بورتبيلو) واللتان من صنع المؤلف نفسه.
بالمناسبة: منذ ثلاثة أشهر تقريبا وأنا عاكف على قراءة روايات هذا المؤلف، فقد قضيت على ثلاث منها حتى الآن. إلا أني لن أقف (مكتوف العقل) على هذه الثلاث فقط، فلسوف آتي على جميع رواياته. وسأتطرق في موضوع مستقل عن روايتيه المذكورتين أعلاه وعنه هو بالذات.
(:

الثلاثاء، 26 فبراير 2008

من جد وجد، ومن زرع حصد

اليوم وبعد أن اصدر مسجل الجامعة وثيقة تخرجي، وقدمها لي نيابة عنه سكرتيره الموقر، أحسست بشعور غريب جدا لم يخالط جسدي من قبل. أحسست أن سكينة هبطت علي من السماء، أو وقارا ألقت به الأرض من جوفها، أو سكونا أصاب جوارحي فخلف استقرارا، أو هدوءا دمل جروح القلب بطمأنينة. أحسست بشعور هو شبيه بعض الشيء بآخر عالجتُه قبل زمن وحين. كنتُ وقتها في مغطس حمام ملأته ماءا بأكمله، فغَمستُ فيه جسدي كله وابقيت عيني فما فوقها على سطح الماء للحظات قبيل أقفال صنبور الماء. ثم جعلت أرقب المكان من حولي وكله ساكن لا ينبت ببنت حركة، فأجد أذني تلتقط طواعية وقع قطرات الماء من الصنبور على سطح الماء، و أجد شعري أخذ يجف ببطء فيلبسني شعورا كله لذة وسبور. ثم تأتي قشعريرة على حين فجأة من الجسدِ فتسري مسرعة من رأسي إلى أخمص قدمي وكأنها تسعى إلى نفض قطرات الماء عنه. ياااااااااه! ما هذا الشعور! ما هذا الأحساس؟ أكل هذا من أجل وريقة! أكله من أجل هذه الخضراء التي بوسعي أن أمزقها بأطراف أصابعي، بل بطرف أصبعين فقط! هيهٍ يا جسد ابن موسى، اختل توازنك واضطربت جوارحك طربا لوريقه! ليت شعري، ما الذي ستشعر به إن كان الأمر على كتاب!
جعلت اقلب الوثيقة ظهرا على عقب وأنظر إليها وأمعن في تفاصيلها كالمنكر الواجم وأقول لنفسي هذه وريقة زرعت بذورها فعالجتُها دأبا ثم آتت أكلها بعد ثمان سنين عجاف أكلن وقتي وجهدي! ثم لما؟ ليمكنوني من هذه الوريقة!
سرت عائدا إلى سيارتي، فرأيت مبناني الجامعة على غير ما كنتُ أراها من قبل.وسلكت ممرات في الجامعة كنتُ اتجنبها. واستنشقت عبير زهورها ولقاح نخلها، فلم تتسع رئتي هواءا بمثل ما اتسعت قبلها، ورايت وجوها ناضرة والله، إليّ ناظرة قد وقعت عليها قبيل الوثيقة عيني فوجدتها وجوها غبرة ترهقها قترة، فلم تكن نفسي ترنو حتى أن تلقي نظرة خاطفة عليها! ليت شعري! أصبحت تلك الوريقة تاريخا يتبعه الناس ويربطون به أمورهم! بل أصبحت نواصي الناس معقودة عليها. فإن ذهبت، ذهب معها صاحبها فهلك عن يد وهو صاغر!
يا ويح بني البشر، اصبحت الأوراق تحكمهم! تلك وريقة لا يخرج صاحبها من البلاد إلا بها، ولا يدخلها أيضا إلا بها. وتلك أخرى لا يجد لقمة عيش ولا سد رمق إلا بـ "إذن خطي" منها. منها -وإليها- مناط الحياة وعمود العيش، تقتل إنسانا وتفتديه بنفسها. ترفع واحد وتردي غيره.
تعالي إلي لا أُمّ لك. فلأضعنك في موضع لا تصل إليه يد بشر ولا عين إنسان.

الاثنين، 25 فبراير 2008

إلى بلاد أرامكو

سأسافر بعد لحظات إلى الظهران، كي استلم الوثيقة وأخلي طرف عمادات الجامعة. وعلى هذا سأكون بعيدا عن المدونة وعن نشر صحفي عليها، لكن سأعمل جاهدا إن سنحت لي فرصة على صيد بعض خواطر الطريق أو ما سيقع لي إن شاء الله من أمور استلام الوثيقة واخلاء طرف، فأقيدها هنا.
قاله وكتبه أبو موسى
(:

الجمعة، 22 فبراير 2008

Bicentennial Man و Stardust


شاهدتُ قبيل لحظات فلمين على التوالي، الأول هو Bicentennial Man من بطولة Robin Williams يحكي قصة إنسان آلي اشتراه رب أسرة من مصنع "روبوتات" -إن صح التعبير- ليجعله خادما في بيته يقوم بشؤونه اليومية. ومع مرور الوقت، أزداد حب العائلة لهذا الآلي وشغفوا به حتى اعتبروه فردا منها. إلا أن الخطأ الذي وقع به رب الأسرة هو أنه اشترى "روبوتا" له القدرة على استقبال المعلومات ومعالجتها ثم تخزينها. وهذا ما جعل الآلي -بعد إطلاعه على علوم جمة- يتقدم إلى مولاه كي يبتاع نفسه منه. إلا أن رب الأسرة آثر أعتاقه محبة له وكرامة دون أن يطلب منه مالا. فخرج هذا الآلي معززا مكرما من بيت مولاه السابق وأعين أصحابه تفيض من الدمع على فراقه خصوصا ابنتهم الصغرى فهي أشدهم حبا له. وبعد مضي خمس عشرة سنة، أوشك رب البيت على الموت، فأرسل في طلبه، فاسرعت إليه بنتهم الصغرى -وقد بلغت وقتئذ العشرينات من عمرها- تطوي الأرض من تحتها. فأبلغته باحتضار أبيها. فهرع هو الآخر إليه على عجل. ولما بلغ باب غرفته، وجد عليه أمة من الناس يبكون. فبادره سيده قائلا: [قد علمت الذي كان من أمري وأني موشك على الهلاك، وإني معتذر لما حصل عليك مني سوء، وأرجوا أن تسامحني عليه.] فما كان من الآلي إلا أن رضي عنه ولم يرجع إليه قولا احتراما له وتعظيما لشأنه. ثم آل بالآلي الأمر إلى أن يبحث عمن بقي حيا من جنسه، فجعل يجوس الديار والمدن بحثا عنهم حتى آتى على خبرهم جميعا. فمنهم من هلك ومنهم من اعرض عنه عنوة. ثم إنه في طريق عودته قابل صدفة أنثى (هكذا!) من جنسه في سوق للفواكه والخضروات. فلحق بها إلى مسكنها. فقرع الباب ففتحته له، ثم أخذته إلى مالكها بعد أن رحبت به. ثم تبين له أن المالك لتلك "الأنثى" عالمٌ يعمل وقتئذ على انتاج نسيج شبيه بجلد الإنسان يوضع على تلك الآلات فتظهر وكأنها بشر من خلق سوي. فتطوع صاحبنا من تلقاء نفسه أن يكون أول من ألقى. وبعد أن تمت التجربة بنجاح، وبعد أن ألبسوه ذاك النسيج، ذهب عائدا إلى البنية الصغرى تلك -وكانت وقتئذ هي الوحيدة الباقية على قيد الحياة من تلك العائلة- كي يبشرها، فسرت بسروره و صكت وجهها فرحا بلقائه. وبعد أن حادثها قليلا، تبين له أن تلك البنية خلّفت من بعده بنتا يافعة كأمها في شكلها ومظهرها حتى أنه في أول الأمر ظن أنها هي. وقد وجد صعوبة في تقبل أمر تلك الحفيدة وصرح لها بدايةً كرهه للقائها. إلا أنه بعد أن قام بترقية نفسه فأصبح له جهازا عصبيا يفتح له باب المشاعر والأحاسيس على مصراعيه، عشقها وهام على وجهه حبا بها فأراد منها أن تحبه بالمقابل. لكن-وإن ظهر الحب عليها- أبت ذلك تصنعا في بداية الأمر وذلك لأنه مجرد آلة من حديد. فلم يستسلم ولم ييأس فقام بترقية نفسه كرة أخرى فاصبح له القدرة على الأكل والشرب. ثم جعل يستدرجها من حيث لا تعلم حتى علق قلبها به وأظهرت حبها له عيانا. ثم تسري الأحداث بعد ذلك إلى أن يتفق العاشقان على الزواج. إلا ان المحكمة -وكما سموها "بالعالمية"- أبت ورفضت لكون أحد الأطراف ليس بشرا. كذلك، ومرة أخرى، لم ييأس صاحبنا من هذه العقبة فجعل يطلب أي حيلة و ويسعى لكل ترقية حتى أنه برمج نفسه على الشيخوخة! فتقدم بالأثنين العمر وبلغا من الكبر عتيا حتى أوشكا على الموت. وعلى فراش الموت، وافقت أخيرا المحكمة على ذاك الزواج واعتبرت صاحبنا إنسانا وأقروا بأنه أكبر معمر عرفه جيلهم ذاك حيث بلغ من العمر مائتي سنة. وما كادت القاضية أن تنهي خطابها ذاك لهما إلا وقد هلك المسكين لحظتها. فذهب جهده ذاك هباءا منثورا. ولما أدارت حبيبته الإنسية وجهها نحوه، وجدت نفس حبيبها قد "فاضت إلى بارئها" فلم تتمالك نفسها هي الأخرى فخرت على وجهها بجانبه ميتة.
الفلم صراحة رائع بكل ما تحويه الكلمة من معنى وقد بثته قناة MBC 2. إلا أن موقع IMDB -وهو أكبر قاعدة بيانات للافلام على الشبكة-لم يحز الفلم فيه على رضاهم! حيث حصل على 6.2 فقط من 10. ولو كان لي من الأمر شيء، لوهبته على أقل تقدير 9.5 من 10.(:









أما الفيلم الثاني وهو Stardust، فقد وجدته صدفة على الشبكة ولم أعلم عنه شيئا مسبقا حقيقة، إلا أن الذي أغراني به هو عدد الأجهزة التي احتوته حيث بلغ أكثر من ألف جهاز(أعني بذلك Seeds و Peers إن كان للقارئ خلفية عن ملفات التورنت). إضافة إلى ذلك أن هذا الفيلم حصل في الموقع المذكور أعلاه على 8.1 من 10 وهي درجة تغري المطلع على مشاهدته.
الفلم رائع كذلك لكن لا يبلغ درجة الأول قصة و تمثيلا. فهو يحكي قصة رجل عشق امرأة وكانت تعبث به كثيرا وتسخر منه حطا من شأنه. فيأتي هذا المسكين العاشق الهائم الولهان عليها إليها، فيعرض لها حبه و يطلب منها قبوله. وليثبت عظم حبه لها، أشار عليها أن يأتي لها بالشهاب -والذي سقط أمامهم في مكان بعيد بعض الشيء- كعربون محبة وصداق عشق. فوافقت على ذلك استهزاءا وإنقاصا من شأنه. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. فحين بحث المسكين عن مكان الشهاب الساقط، وحينما اقترب من موضعه، وجد امرأة أخرى خلعت قلبه حبا فعشقها. وقد زعمت هذه الأخيرة أنها نجمة سقطت على الأرض. ولهذه الفتاة عقدٌ على عنقها من أحجار نفيسة من ظفر به فقط ظفر بملك البلاد كله. وقد ألزم ملك تلك البلاد السابق ابناءه، أن على الواحد منهم أن يتقلده كي يكون الحكم من نصيبه، فلا طريق للملك إلا بذاك السوار. فجعل ابناء الملك يتتبعونها طلبا للعقد. ومن جهة أخرى، تلك الفتاة أيضا يطلبها ثلاث ساحرات كبيرات في السن. فإن ظفرن بقلبها، فلسوف يرجعن بأكله شابات يافعات. وهكذا تدور أحداث الفلم على رأس العاشق وفتاته، فهما بين سندان الأخوة المتقاتلين على الحكم ومطرقة الساحرات الباحثات عن الصبا.






(:

الترجمة

أرى أن قراءة الكتب المترجمة لا تيسر وصول مراد المؤلف بسهولة إلى عقل القارئ مثلما لو قُرئ الكتاب بلغته الأم. وذلك لأن معظم المترجمين للكتب مهما بلغت قدرتهم اللغوية على محاذاة مراد المؤلف، فلن يصيبوها بالكلية. وخصوصا وإن كان الكتاب كتابا علميا بحتا يعتمد على مصطلحات دقيقة. وقد ضاعت فوائد كثيرة بين سطور كُتُبٍ تُرجمت، فضاع معها رونق الموضوع ولذة قراءته. والسبب الرئيس يعود طبعا إلى جهل المترجم بتخصص المؤلف وفن ذاك الكتاب، حتى وإن كان فحلا من فحول الترجمة. فإن حاصره مصطلحٌ علمي وجعله في ضيقٍ من الترجمة، فهو سيترجمه مقابلة بلغته إلى كلمة عامة وجملة مبهمة لا يستطيع القارئ أن يعي مقصد المؤلف بها. بل ولربما زاد الأمر سوءا، فحاد بترجمته تلك إلى طريق لم يُرِدْ المؤلف اتخاذه أصلا!فمثلا، كتاب عن لغة الجافا- والتي تستخدم في كتابة برامجا وأكوادا للحاسوب- اطلعني عليه أحد زملاء الدراسة، فأخذتُ أمعن في بعض نصوصه، فوجدتُ والله العجب العجاب في كيفية ترجمة بعض المصطلحات الدارجة في تلك اللغة! رأيت والله غموضا اشبه ما يكون بطلاسم المشعوذين وتمتة السحرة، وحيث أن المترجم أراد أن يعرب المتن فأعجمه، أو بالأحرى أراد أن يكحله فأعماه! هذا مع أني أكاد أحيط بهذه اللغة، فكيف بمن جهلها وأراد تعلمها بداية! والأمر كذلك وجدته في كتاب اسمه بلغته :[Men Are From MARS, and Women Are From VENUS] وهو كتاب تستلذ به العقول ويسيل لرؤيته لعابها. إلا أني قد قرأت أيضا كتابه نفسه هذا مترجما إلى العربية فوجدتُ أن الفائدة منه لم تقع في قلبي كما وقعت حين قراءته بلغة المؤلف. ولا بد من معرفة أن الكاتب حينما يكتب يضع نفسه وقلبه فيما يكتبه، فالمترجم -وإن كان حذقا في فن الترجمة-لا سبيل له الإفصاح عن روح الكاتب وقلبه ترجمةً لكون النفس والقلب لا يعلم بهما إلا صاحبها. والأمر لا يقتصر على ترجمة كتب فحسب، إنما كذلك ترجمة أفلام ومسلسلات. ألا ترى في بعض المسلسلات المترجمة أن مقطعا منه يُفترض أن يُضحك المشاهد، فحين تقرأ ترجمته في الأسفل لا يوحي لك بأي طرفة تستنبط من ثناياه! كذلك من مشاكل الترجمة التي عاينتها هي عدم اتفاق المترجمين على توحيد ترجمة مصطلح علمي معين. فتجد مترجما يترجم مصطلحا، ترجَمَهُ غيره بلفظ مغاير. وكلاهما من حيث لا يعلمان زادا المتن حيرة وعلى الفهم صعوبة. والضرر طبعا يعود أولا وأخيرا على القراء.

الخميس، 21 فبراير 2008

كتاب الأغاني




هو كتاب لطيف وسفر شريف، قل أن يوجد له مثيل أو أن يستعاض عنه ببديل، عَلَمٌ على الأدب ونبراس لأشعار الغناء و قبلة المتأدبين. حوى جُلّ أغاني العرب وأشعارهم، و ذكْر أحاديثهم وقصصهم. وهو كتاب فريدٌ في فنه، قد استوعب أطراف الفن، وجمع شتات المسائل ومنثور الفوائد. فلم يدع آبدة إلا وقيدها، ولا كذلك شاردة إلا وردها إليه. ما رأيت ولا عاينت كتابا ككتابه هذا في الأدب وفروعه. ألفه -في أربع وعشرين مجلدا- شيخُ الأدب العلامة، الحبرُ الفهامة أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني الأموي القرشي، في خمسين سنة. وما زلتُ أقرا في كتابه هذا، فازداد عجبا به وحبا له. فكلما فرغتُ من قراءة مجلدٍ، فشرعتُ في الذي يليه، كلما ازداد شغفي به وميلي إليه. حتى أني ما كنتُ اسافر لبلد ولا أذهب لمكان بعيد إلا واتخذته خير سمير وأفضل جليس ينزع الهم ويقتل الهم. وقل ما يوجد كتابٌ في مثل تأليفه، فقد بسط صاحبُه مادته على نهج لا يمل منه القارئ ولا تأنف منه نفس متتبع. فهو يبدأ بترجمة ثم يخلط أشعار صاحب الترجمة بقصص عنه، وهكذا دواليك. فلا يجعل كل ما ذُكر عنه شعرا، ولا كذلك قصصا، إنما عوان بين ذلك، فيذكره ترجمته أولا ثم يذكر قصة يتخللها شعر، ثم يخرج إلى نقد ما قيل عنه نقدا أدبيا ثم يرجع مرة إلى ذكر طرفة تنشرح صدر القارئ بها. فلم يزل على طريقته تلك متنقلا بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرفا فيها بين جد وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأيامها المأثورة، الأمر الذي اسهم بشكل كبير إلى جذب الناس إلى كتابه هذا طواعية قل من ينجو من شراكه و السقوط في حفرته.


وقد عيب عليه في كتابه هذا بعض الأمور، ولا أرى أن مآخذهم عليه في مواضعها، فالإنسان مهما بلغت به الدقة حتما سيخطأ في بعض تصانيفه ونقله خصوصا وأن صاحب الكتاب قد عكف على تأليفه قرابة خمسين سنة، فهل يظن أحد أن كتابا ألف في مدة كهذا سيخلو من الأخطاء والعيوب! فإن أخطأ في نقل بعض الأمور و وضعها في غير محلها، فغيره من الكتاب ألفوا كتبا في وقت قصير جدا مقارنة بوقت تأليف كتاب أبي الفرج، ومع هذا فقد استشرت الأخطاء في كتبهم وفاحت رائحتها. ومن الغرابة بمكان عند بعض النقاد على كتابه وجدتها عند ابن الجوزي والذي زعم أن أبا الفرج صرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق ويهوى شرب الخمر. وأنا لا أنكر ذكره لأمور مخلة بالآداب، إلا أن ابن الجوزي نفسه قد ذكر في كتابه أخبار النساء قصصا مضمونها يقع بين السرة إلى الركبة -والمعنى بين فخذي الكاتب-، فكيف جاز له ان يتهمه على أمر هو في كتبه أيضا!

ولا أريد في موضوعي هذا أن أعيد مرة أخرى ترجمة صاحب الكتاب، فقد بسطها المعلقون عليه الشارحون له أيما بسط لكن أريد أن أذكر بعض أموره العجيبة. فقد ذكر عن أبي الفرج أنه متشيع لآل البيت على آل مروان! رغم أنه أموي من نسل مروان بن الحكم نفسه! كذلك قيل عنه أنه قليل الاعتناء بنظافة جسمه وثيابه، فقد كان وسخا قذرا في ثوبه وفعله، وكان الناس يحذرون لسانه ويتقون هجاءه ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومشاربته. وكان أكولا نهما، وكان إذا ثقل الطعام في معدته تناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا ولا يؤذيه ولا تدمع منه عينه( إن هذا والله لشيء عجاب)!


وليعلم القارئ والقارئة الكريمان، أني ما أبتدأت بكتاب الأغاني إلا لأنه من أفضل الكتب عندي قراءة واطلاعا، وسأعوج على بقية كتب مكتبتي، فأذكر للقارئ الجيد منها، واحذره مما اشتريتها فندمت على ذلك.

(:

الأربعاء، 20 فبراير 2008

مركز الإعداد الجامعي الجزء الثاني

استعنتُ بالله ثم حزمت حقائبي فاتجهت إلى الظهران جوا كي أكمل بقية اجراءات التوظيف هناك. وبعد هبوط الطائرة، استقلت سيارة أجرة فاتجهت مباشرة نحو مبنى التوظيف. دخلتُ عليهم وهم في غمرة من الاحتفال بموظف أوشك على التقاعد، ووجدتهم مجتمعين وقد فرغوا من إلقاء كلمة بخصوصه ثم شرع أحدهم بمد أطباق حلوى للحضور، حتى اقترب مني فانتهزتُها فرصة لأسأله أين أستطيع أن أكمل بقية إجراءات القبول. فأجابني إن الجميع في شغل كما ترى، فإن شئت أن تصبر ريثما ينتهي القوم من اجتماعهم هذا، فعلت. ثم قبيل ابتعاده عني وصف لي على عجالة المكتب المعني بالقبول وإجراءاته. فلما أنتهى الناس من احتفالهم ذاك، اتجهت مباشرة إلى مكتب المسؤول كما وُصف لي، فطرقت بابه فأذن لي، فسلمت فرد السلام، وأخبرته أني للتو قد أتيت من الرياض فهاأنذا هنا كي أكمل بقية أجراءات القبول. فقال: على الرحب والسعة، استرح قليلا حتى أناديك حين إتيان دورك. فوضعت له الملف على طاولته ثم اتجهت نحو ما أشار عليّ الجلوس فيه. وإذ بجمع غفير من الطلاب جالسين كأن على رؤوسهم الطير. وكأن مجلسهم ذاك مجلس عزاء هلك لهم هالك قبيل لحظات. فجلست بقرب أحدهم فسألته عن حاله هنا فرد علي أنه مضى له ساعة ينتظر وكل من حوله هم كذلك معه ينتظرون. فجلست بجانبه ولسان حالي: [ فانتظروا إني معكم من المنتظرين]. بقينا على حالنا هذه حتى اخترق سكون المكان ومن فيه صوت صاحبنا الأول مستدعيا الجميع واحدا واحدا. فظهرت علامات الطمأنينة على وجوه الطلاب وشقت الابتسامة أفواههم. ثم ما لبثت ليس بطويل إلا وصاحبنا ينطق اسمي مناديا. فقمت إليه وتبعته من خلفه إلى مكتبه، فأخذ بعد أن جلسنا فيه يعبئ استمارة ثم مدها لي كي أوقعها. وبعد توقيعها، ارشدني إلى مكان إدارة الإسكان كي أكمل اجراءات السكن هناك. شكرته على جزيل عمله ثم خرجت من عنده وأنا اتمتم بارشاداته خوفا من نسيانها. دخلت الشركة فاتجهت كما وُصف لي إلى إدارة الإسكان. وبعد ان فرغت من اجراءاتها، مد احدهم لي مفتاح الغرفة ودلني على مكان عمارتها. فخرجت تبعا من عنده إلى تلك العمارة فكانت في الجزء الغربي الجنوبي من حي من أحياء منطقة أرامكو يدعى بالمنيرة قد خصص لموظفي ما بين المرتبة الثالثة إلى العاشرة. وكون المكان غريبا علي، أخذت جاهدا ابحث عن العمارة كما وصفت لي حتى اهديت لها بعد فترة من الزمن ومعونة من الأمن. دخلتها قرابة الساعة الرابعة مساءا مجهدا لا أكاد أرى من الطريق إلا قليلا. فوضعت ثيابي و فككت حزم حقائبي لأخرج منها ملابسا داخلية، ثم قصدت شطر الحمام كي استحم. وبعد الإنتهاء، ارتميت على الفراش فمنت في سبات وغط عميق لدرجة أني ما أنبهت إلا الساعة الثالثة فجرا من صباح اليوم التالي. فلما اعتدلت جالسا على الفراش، واختلست نظرة للسرير الثاني، وجدتُ احدهم نائما عليه متغطيا لا يُرى منه شيء. ولا أعلم حقيقة متى دخل ولربما كان بعد نومي إلا أن الأمر الذي لاحظته فيه هو تخففه من المتاع وتقلله، فلم تكن بجانبه إلا شنيطة واحدة على عكس ما كان معي. صراحة، لم يطب لي المكوث مع أحد لا أعرفه تحت سقف واحد، وحتى لو عرفته لا تطيب لي النفس كذلك أن تنام معها في مستقرها الدائم لكن لا حيلة لي وقتها.
(:

الثلاثاء، 19 فبراير 2008

مركز الإعداد الجامعي (CPC)









هو مركز تابع لشركة أرامكو السعودية أنشأ عام خمس وثمانين وتسعمائة وألف لإعداد الملتحقين به اعدادا أكاديميا قبل ابتعاثهم. ويعد هذا الصرح العلمي من أفضل الصروح العلمية في البلاد ولا أدل على ذلك إلا عدد الراغبين به وكثرة المقدمين عليه. وقد تم انتقاء القائمين عليه بدقة وعناية حتى أني أذكر أن أحد العاملين فيه كان يعمل قبل أن يلتحق به في وكالة ناسا الأمريكية لأبحاث الفضاء. وعلاوة على ندرة و تميز العاملين فيه، إلا أن فيه كذلك يتلقى الطالب علوما شتى لا تقتصر على ما سيعينه في دراسته الجامعية فقط، إنما كذلك دروسٌ تعينه على فهم ثقافة المجتمع الذي سيقصده وكيفية التأقلم والتكيف مع عاداته. وكل تلك العلوم المطروحة هي باللغة الإنجليزية وذلك بحكم أنها لغة عصرنا هذا أضف إلى ذلك أن الإنجليزية هي اللغة الأم لمعظم الدول التي ستبتعث الشركة طلبتها إليها. ومن جملة تلك العلوم التي تُدرَّسُ الفيزياء والكيمياء والجبر والحساب و الحاسوب وما يتعلق به من تطبيقات سواءا كانت طباعة أم فهما لبرامج أم كتابة لها. ويسلط المركز ضوءه بكثافة على اختبار دارج معترف به من قبل معظم جامعات الدول المستضيفة ألا وهو أختبار الـ TOEFL (وينطق التوفل وليس التويفل!) وهو اختصار لـ Test Of English As a Forigen Languge والذي به يستطيع المختبر أن يعرف مدى تحصيله واستيعابه للغة الإنجليزية. ويحرص المركز جاهدا على تخريج طلبته حاملين أعلى درجات ممكنة في ذاك الاختبار،وذلك بحكم أن معظم تلك الجامعات تفرض درجة معينة كحد أدنى منه. وعلى الطالب حتى يتسنى له التخرج من هذا المركز أن يحصل على معدل قدره 2.5 من 4.00 كحد أدنى ودرجة في اختبار الـTOEFL قدرها -أيضا كحد أدنى- 520 من 670. ولا يقتصر تركيزهم على الـTOEFL فحسب (وإن كان أخذ جل اهتمامهم)، إلا انه كذلك توجد اختبارات اخر كاختبار معروف يسمى بالـSAT وغيره. إلا أن تلك الاختبارات مجتمعة لا تماثل الأول أهمية ومكانة سواءا على صعيد المركز نفسه أوالجامعات المستضيفه. فإن اجتهد المختبر من تلقاء نفسه فوفق في تحصيل درجة عالية فيها، فهو على خير. وإن كان من أمره ما دون ذلك، فلن يضره شيئ.
ومع علم المتقدمين إليه مسبقا أن الأصل في المركز هو ابتعاث طلبته خارج البلاد بعد تهيئتهم- ولذلك أتوه مهطعين راغبين -، إلا أن جملة منهم آثر اكمال الدراسة الجامعية هنا على الخارج! ولا أعلم ما الداعي لذلك حقيقة، ولربما كان السبب هو الخوف من الغربة وتغير المجتمع عليه.
بعد التخرج من المرحلة الثانوية بامتياز، جعلت اتتبع المعاهد والجامعات وكل صرح علمي أو عسكري سَهُلَ عليّ الوصول إليه، أعرض عليهم بضاعتي من الوثائق والمستندات. فإن لم تخني الذاكرة، أذكر أني تقدمت بالطلب إلى الصروح التالية (مرتبة زمنيا) :
  1. شركة أرامكو السعودية
  2. وزارة الدفاع والطيران
  3. جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
  4. الحرس الوطني(كلية الملك خالد العسكرية)
  5. جامعة الملك سعود
  6. كلية الملك فهد الأمنية.
وما يهمنا هنا هي الأولى- شركة أرامكو السعودية- بحكم احتوائها لذاك المركز. ولا أريد حقيقة أن أذكر الأحداث المتعلقة ببقية الصروح، بسبب عدم رغبتي في سَوْقِ الموضوع إلى غير وجهته. فلذلك ليعذرني القارئ والقارئة الكريمان على ذلك، ولعلني افرد لأحداث وتبعات التقديم في موضوع مستقل إن تيسر لي وقت وجهد.
عوده !

قدمت لمكتب التوظيف التابع للشركة مستلزمات القبول من أوراق وصور، ثم أخذوا عليّ موعدا لآتينه ثم لأختبرن فيه امتحانهم المعد من قبل (وكما زعموا) أشاوس تعليم وفحول اختبارات! والحمد لله أولا وأخيرا، أجتزت اختبارهم إلا أن اجراءات القبول لا تقف عند اجتيازه فحسب-كما تبين لي بعد حين-. فلما اخذت استفسر عن الأمر أكثر، ذُكر لي أن المتقدم لأختبارهم - حصل على الدرجة العالية أم خرج منه صفر اليدين- هو لا محالة سيضم إلى قائمة المقبولين. لكن - ونعوذ بالله من لكن هذه- الأولوية في القبول هي للحاصلين على أكبر قدر ممكن من الدرجات. وقد لاحظت ساعة الاختبار أن عدد الأسئلة كثير بحيث لو أخذ المختبر بحلها جميعا، لاستغرق منه ذلك ضعفي الوقت المحدد له. فقد أكثروا من الأسئلة عنوة كي يميز أربابه "الخبيث" من الطيب. لذلك أخذت أستفسر عن مكاني في تلك القائمة. فتبين لي أن ترتيبي قد بلغ ثلاثمائة ونيف من بين ثلاثة آلاف طالب! والشركة طلبت تلك السنة مائة وخمسين طالب فقط! فإن أخذوا بأول مائة وخمسين منهم لاكتفوا، ولبقيت على جامعة الملك سعود وحيث هي كانت آخر طموحاتي. لكن- والحمد لله كذلك- ليس كل المتقدمين ارادوا ارامكو كمطلبهم الوحيد، فمعظمهم جعلها خيارا يلي الطب، والطب وقتئذ كانت أعين الناس عليه شاخصة. ورغبات الناس -طبعا- ليست على وتيرة واحدة. فإن رغب بعضهم كليات الطب كمطلب أساس، فغيرهم قد يجعل الهندسة -مثلا- مطلبا أساسيا كذلك. وعلى أي مركب كانت رغباتهم تلك، فهذا حتما سيقضي على من تقدمني في القائمة. فأخذ العدد يتقلص، وأخذ رقمي ينزل تدريجيا حتى دخلت قائمة المائة والخمسين تلك. وبالفعل، أتاني اتصال من مكتب التوظيف، يهنئني بالقبول ويعرض علي التخصصات الشاغرة. ولم يكن يهمني وقتئذ التخصصات بقدر ما كانت نفسي تطمح للقبول أولا. لذلك اخترت مجازفة هندسة الكيمياء، ثم بعد أن أخذت نفسي تأنبني على الاستعجال، قمت بتعديله - بيومين أو ثلاث- إلى هندسة الحاسوب.
ويعلم الله مدى سعادتي باتصالهم ذاك حتى أني لم أعر لاتصال غيرهم-من جامعات أو كليات- أي تفكير أو اهتمام، فنبراس الرغبات قد تحقق، والنفس قد حظيت بمناها. وكانت نفسي صراحة تحدثني كثيرا عن الدراسة خارج البلاد وقت المرحلة الثانوية. إلا أنه لم يخطر عليها أن تكون من قبل أرامكو أو حتى أن تكون لدرجة البكالوريا، فأقصى مرادها كان لمرحلة الماجستير أوربما للدكتوراه منها.
أقف هنا وذلك لأني أطلت الحديث في هذا الموضوع، وسأكمل بقيته إن شاء الله في موضوع يليه.
(:

الاثنين، 18 فبراير 2008

الزواج

ذكر ابن خلدون في مقدمته أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان بطبعه مدني. فلا قدرة له على تحصيل مراده دون أن يستعين بغيره. سواءا كان مراده هذا عرضا أم عينا. ومهما بلغ الإنسان بكماله وتميزه عن غيره من جنسه، إلا أنه لا محالة سيطلب يد العون- طال به الزمان أو قصر-. ومهما بلغ بجنسي البشرية -الذكر والأنثى- قدرة القيام بالأمور كلها اعتمادا على الذات فقط، فالإثنان خلقا ناقصين لا يتم كمال الأول إلا بتعويض من الثاني، ولا يتم كمال الثاني إلا بتعويض من الأول. فالذكر وإن كان على نفسه معتمدا، فهناك أمورٌ تنقصه لا يكملها له إلا أنثى. ولن يجد سبيلا يطلب تعويض نقصه هذا إلا من وجهتها. والحال هي نفسها مع الأنثى للرجل. فهي -كذلك- وإن كانت على نفسها بصيرة، فهي ستطلب أمورا خلقت فقط في شقائقها الرجال. فالرجل لا يقوم بنفسه إلا بامرأة، والمرأة لا تقوم بنفسها إلا برجل. وعليه تبعا وجد الزواج كمشورع حضاري اجتماعي يهدف إلى تنظيم وتوفير تلك الأحتياجات للطرفين كي يصل بهم إلى الاستقرار والسكينة بحيث لا تجد الأنفس بعده شيئا تطلبه. والعجب أن شعوب الأرض قاطبة قد اجمعت على عظمه دون اتفاق مسبق بينهم, وإن كان هناك اختلاف في الظاهر إلا أن مضمون الاتفاق واحد. طبعا لا يقف دور الزواج على تلبية الاحتياجات النفسية والبدنية للطريفين فقط، إنما هناك اسباب وأمور أخر ليس موضوعنا هذا موضع بسطها.
ومن العجيب كذلك ان اتحادا كهذا لا يقتصر على المستوى البشري فقط، إنما هو كذلك موجود على مستوى الذرة. فالذرات التي تمتلك اربع إلكترونات في مدار الطاقة الأخير تبحث عن من يقابلها ويكملها بثمان حتى تبلغ طبقة العناصر الخاملة. فإن صادف أن وجدت ذاك المقابل ثم اتحدت معه كي ينعم الاثنان بثمان إلكترونات في مدار الطاقة الأخير لكل واحد منهما، فهما في هذه الحالة قد كونا رابطة تدعى عند أهل الكيمياء بالتساهمية. فانظر كيف هذه المخلوقات الدقيقة تحتاج إلى معونة من غيرها كي تصل إلى الاستقرارذاك، وانظر كيف تسعى دأبا لمقابلة "توأم روحها"، فلا تزال على البحث مقدمة حتى توافق عروسها -إن كان ذكرا- أو عريسها-إن كانت أنثى. (:
وانظر كيف أن العمالقة من المخلوقات-كالإنسان مثلا- هو أولى برابطة تساهمية مع شريك حياته يتبادل بها الإثنان حاجاتهم ويوفر كل واحد منها بغية الآخر كي يهنآ جيمعا بسعة من العيش ورغده.

والسؤال المتبادر هنا-ولعله يتمرغ لحظتنا هذه في عقل القارئ والقارئة الكريمين- هو ما الحاجات النفسية التي يحتاجها الطرف الأول من الثاني، ومثيلاتها من الثاني للأول؟
طبعا اجابتي هنا ستقتصر على الاحتياجات النفسية فلن الج باب الاحتياجات البدنية لأنها تقودنا إلى أمور إن تُبْدَ لكم تسؤكم. (:

فالذكر يغلب عليه طبع الخشونة والقساوة، فهو بحاجة لشخص يمتلك عكس تلك الصفتين- وما سأذكره هنا فقط على سبيل المثال لا الحصر وإلا لو جعلت اعدد كل خصلة في الذكر وما يقابلها في الأنثى لانتهى بنا المقام إلى تأليف كتاب يقع في مجلدات كثر. والمرأة -كذلك على سبيل المثال لا الحصر- يغلب عليها الليونة والعطف، فهي بحاجة لشخص يمتلك عكس هاتين الصفتين. فليونة تقابلها خشونه، وقساوة يقابلها عطف، وهلم جرا على بقية الصفات في الطرفين.

(;

الخميس، 7 فبراير 2008

سبب تسمية المدونة بهذا الإسم

في القاموس المحيط ، ذكر صاحبه عند كلمة بنت التعريفات الآتية:
البِنْتُ : الأنثى من الأولأد وتستعمل في تسمية بنات الأقارب؛ بنت العم/
بنت العمة/ بنت الخال/ بنت الخالة/ بنت الأخ أو الأخت. وتضاف إلى أسماء للدلالة على
معان مختلف
ة؛ بنت الشفة أي الكلمة؛ لم ينبس ببنت شفة/ بنت العين، هي الدمعة/ بنات
الصدر، هي الهموم/ بنت العنقود، هي الخمرة ومثلها بنت الكرمة وبنت الحان/ بنات
الأفكار، هي الخواطر؛ بثّ مقالته بناتِ أفكاره بكل وضوح وصراحة
/ بنت اليَمَنِ، هي
القهوة. ج بناتٌ.
فحينئذ علي أن أوافق ما بين عنوان المدونة ومحتواها.
:)

اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال!

إن للعلم وطلبه أهمية في حياة الإنسان تحاذي أو تفوق أهمية طلبه لمطعمه ومشربه. فإن كان مطعمُ الإنسان ومشربه قوتا لجسده يتقوى به على مواصلة حياته، فأن لعقله أيضا قوتا يتقوى به على مواصلة السير والجد على نفس الطريق ذاك- وإن كنت أرى أن توفير قوت للأخير أولى منه للأول-. فالعلم ومشتقاته (من كتابة وقراءة ومراجعة ومذاكرة) يظهر أثره واضحا على متعاطيه كما تظهر أثر النعمة على الآكل والشارب. وكلما داوم الإنسان مراسه وتعاطيه، كلما ازداد الظهور فيه لمعانا. ويتضح ذلك حين المخالطة باستماع قول أو إمعان في طرح. والفرق بين تعاطي الإثنين، هو أن لوعاء رأس متعاطي العلم-أعني بذلك عقله- القدرة في جلسة واحدة على إلتهام أكبر قدر من المعلومات مهما بلغ حجمهما دون أن يلحقه ضرر. على عكس حال متعاطي الطعام وحيث أنه يجد صعوبة -إن لم نقل استحالة- في جمع قدر كبير من الأطعمة في وعاء بطنه. وقد شوهد البعض يقرأ لأكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة، بينما لم نر أحدا بلغ حتى عشر تلك المدة في الأكل. وأنا على يقين أنه لو استطاع أحدنا أن يقضي خُمُسَ تلك المدة أكلا وشُربا، لوجب على القائمين بكتاب جينيس(الكتاب المعني بالأرقام والمنجزات القياسية) أن يثبتوا عمله هذا كإنجاز لا مثيل له. ولو جاز أن تظهر على الإنسان أعراض بسبب "الإفراط" في تعاطي العلم كاعراض الإفراط في تناول الطعام، لرأينا رؤوسا بشرية بلغت بحجمها حجم رؤوس الفيلة وضخام الدواب. ولربما خرج للناس فن "الحمية العلمية" جريا على عادة "الحمية البدنية" -وإن كنت أرى صعوبة ذلك، فالتخلص من شحوم الجسد له وسائله الكثيرة بعكس التخلص من "شحوم" العقل والذي لا وسائل له البتة. واعلم ان متعاطي الأول لا تظهر عليه تخمة أو بطنة أو تكور كعرض سلبي على عقله بينما الآخر تظهر بشكل واضح لا لبس فيه و على بطنه بالذات، بل إن البشر لم يسجلوا تلك الأعراض الثلاثة السابقة الذكر كأعراض سلبية مضرة لجسد الإنسان إلا بعد تعاطيه ودوام ممارسته!
واعلم كذلك أن للجسد علل تصيب بعضه أو كله، فمنها ما تأتي عليه فتهلكه ومنها ما دون ذلك، ومع كون تلك الآفات والعلل تتفاوت في ضررها، إلا أن علل العقول أشد وقعا على أصحابها وأعظم نكالا بهم. حتى وإن كان لعلل الأخير تفاوت في الدرجة والضرر، فهي حتما تزيد على علل الأول (بصغيرها وكبيرها) فتكا وتتقدمه بمراحل عده. فلا وجه للمقارنة هنا ولا سبيل للمساواة. وكم من جاهل لقي حتف نفسه وجدع انفه لقلة علم أو لانتفائه. وكم من عالم رفعه علمه حتى بلغ المعالي، واستحق به المكارم. ولا ننسى طبيعة الإنسان الناقصة، فبسبب عدم كمالها، فهي تبحث دائما عما يخفي ذاك النقصان أو يردمه بالكلية. والكيس الفطن يجعل من العلم ومن تتبع كلأه ومرعاه خير وسيلة لذلك. بل إن أحسن استعماله وسلك وجهته مطابقة، فسوف يعاين رأي العين أن العلم لن يقف دوره على ردم أو أخفاء عيوب فحسب، إنما سيزيده حللا وسيلبسه خُلَعًا تجلعه كعبة لأعين الناس ونبراسا لخواصهم.

هذه مقدمة بسيطة لما سأطرحه في المستقبل القريب عن تجربتي في طلب العلم سواءا الأكاديمي منه أو ما كان من تلقاء نفسي. ولعلي إن شاء الله أذكر تفاصيل الأثنين معا على مواضيع متفرقة فأشبعهما شرحا وتبيانا كي يستفيد المطلع ويتعض بتجربة غيره. وربما طال بي المقام في ذلك، لذلك آثرت أن أجعلها مواضيع عدة مرتبة زمنيا من بداية التخرج من المرحلة الثانوية حتى الإنتهاء من أختها الجامعية.

(:

مشاكل المجتمع وحلولها

أجد النفس دائما تعدو لاهثة خلف كل مشكلة تطرأ على مجتمعنا هذا سعيا لإيجاد حل وإخفاء أثر تبعات . ولا أعلم صراحة ما الداعي لذلك، لا ولا المحفز له؟ هل هذه عادة انفردتُ بها عن الناس جميعا أم أنهم كذلك يشاركونيها؟لماذا عليها السعي إلى إيجاد حلول لكل طارئ دخيل من مشاكل ومعضلات؟ أخُلقتْ كي تتعبد الله بأن تحمل على عاتقها حل عقد المجتمع وفك قيوده؟ أوبلغ الأمر بها أن تقدم هموم المجتمع وغمومه أولا على أمورها الأساسية التي لا تقوم حياتها، و سعة عيشها إلا بها! والأدهى من ذلك ان النفس تعلم يقينا أن مشاكل المجتمع لا نهاية لها، فإن حَلَلْتَ عقدةً، ظهرت أختٌ لها، وإن سددت ثغرا، اتسع غيره!وكل مرة تظهر مشكلة على الساحة، تعلو سابقتها إشكالا كما وكيفا. وصاحبكم يجلس في بعض الأحايين يحدث نفسه عن مشكلة طرأت على مجتمعه فيسعى جاهدا بكل ما أوتي من قوة أن يجد حلا لها، فما يكاد ينتهي منها حتى تقفز عليه مشكلةٌ محدثةٌ أخرى، فيشرع مرة أخرى معاودا سيرته الأولى! وكأنه يعيد قراءة مسرحية مرة تلو أخرى، إنما تختلف في كل مرة شخوصها ومكانها وزمانها مع بقاء أصل القصة وبقاء مؤلفها.

الثلاثاء، 5 فبراير 2008

أنا ابن موسى وطلاع الخواطر.......متى اكتب المدونة تعرفوني

الإنسانُ مجبولٌ على فطرته، فمهما بلغتْ به الحياةُ سوءا فسعت به إلى مجانبة طريق الفطرة، واضطرته إلى الحيدة عن جادتها، فصاحبها لا محالة -وإن طال الزمان به- لراجعٌ إلى سلوكها مرة أخرى مهما كان بون الحيدة واسعا، وفرق المجانبة شاسعا. ومهما-كذلك- بلغت بذاك الإنسان تقاليدُ الشعوب وعاداتُ المجتمع كلَ مبلغ، فلن يكون لذينك الأخيرين القدرة على إزالة حتى بعض منها فضلا عن إزالتها كلها. وأنّا ذلك لتلك الشعوب وتلك المجتمعات، وفطرةُ الإنسان ركنٌ رئيسي من أركان نفسه لا تقوم بذاتها إلا بوجود الفِطَر مجتمعةً. فإن سقطتْ فلا إنسان ولا كيان. وليت شعري، وهل الإنسان إلا مجموعة فِطَرٍ جُبِلَ عليها صغيرا، وصقل بها كبيرا، فكيف لها أن تنفك عنه و تمكن رفث المجتمعات ولوث التقاليد من الإطاحة بكيانه وهز أركانه!
فمن تلك الفطر فطرةُ إرسال النفس على سجيتها، وإرخاء العنان لمطيتها، دون خلط هذا العمل بتصنع أو مراء. والسبب-في ظني- يعود إلى أن إطلاق النفس وإرسال خطامها -بعد رفع قيود وإزالة حواجز- يرث الطمأنينة والسكون، ويئد الهم والشجون. فالنفس-في أحوالها الطبيعية- تجد طمأنينة إن أفرغتْ مكنونها خصوصا وإن كان عبئا لا يسعها تحمله. طبعا، وإن كان الإطلاق في نفسه أمرا محمودا مبتغا من الناس قاطبة بلا استثناء، إلا أن نفعه يثمر ينعا إن اتبع ذاك الإرسال مباشرة باثبات على ورق و تقييد على سطور. وأحسب أن لهذا الإثبات أسبابا عده لزم عليّ ذكرُ بعضها.
منها، أن خواطر النفس تنهال على صاحبها ثم تفترق عنه على حين غرة. وشرٌ من هذا أنها لا تترك موضعا في القلب ولا كذلك حيزا في الصدر إلا أوسعته شغبا وفتنا. لذلك يتطلب الأمر تبعا تقيدها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولا غرابة أن يجد -لأول وهلة- صعوبةً في حبسها وصيدها -وذلك لقلة خبرةٍ أو ربما لانعدامها بالكلية- فتلك الخواطر عند التحقيق شيخاتُ هرج، وإئمةُ مرج قلما تلين جانبها لصدر أو تجثم هادئة على فؤاد. فيلزمه وقتئذ الإستعانة بصديق-والإستعانة خير-. فإن استعان عليها بنفسه دون معونةٍ من غيره، فلا شك برجحان كفتها. وإن استعان عليها بغيره مع الاستعانة بنفسه، فلا شك برجحان كفته. وأول باب من ابواب الاستعانة يتحتم عليه طرقه هو بابُ القلم. فالقلم خيرُ ركنٍ يُؤى إليه كعاصم من شرٍ، وأفضل يدٍ تضرب من حديد. ولا تقف حال آنف الذكر على ذلك فحسب، إنما هو كذلك شيخٌ في إسكان الفتن وضربِ أعناق مثيريها. ومع كون تلك الخواطر مثيرة شغب تعيث في الصدور فسادا، فهي لا تستطيع -وإن أجتمعت- على مجابهة القلم منفردا. وكيف لها ذلك، وسجون الخواطر-الدفاتر والكراريس- تشهد بقدمه في النزال، واسبقيته في القتال، ولسان حاله قبل أن ينخرط في الجندلة: [ إني لأرى خواطرا قد أينعت و حان قطافها، وإني لصاحبها.] فطفق قيدا بالخواطر والأعناق، يبعث بجيش قوامه الحبر وساحته الورق، فيقيد شاردة هنا و يحبس واردة هناك ويضرب عنق من وجوده كعدمه-فمنهم المصلحون ومنهم ما دون ذلك- حتى يأتي عليها جميعا. وكأني بالخواطر تصرخ عن يئس و قنوط لما ألتقى الجمعان: [ إنّا لمدركون!] فتعيدها مرة، فثانية، فثالثة، لكن لا حيلة لها من الخروج من شرر القلم وضرباته، فقد سبق السيف العذل.
هذا ما كان من أمر السبب الأول. أما السبب الثاني الذي أرى به وجوب تقييد تلك الخواطر، وإلقاء القبض عليها هو: أن من جملةِ تلك الخواطر خواطرا نادرة الحدوث، قليلة الظهور، لا يجدُها المُقَيِّدُ في جملة من نوعها إلا ما ندر. فنادرٌ شاردٌ نفيسٌ كهذا لا يُترك يطأ صدرا ثم يفر هاربا. ومن استكثر على نفسه تقييدها فقد خسر خيرا لا يُرى إلا قليلا. أرأيت إن أقْبلتْ عليك حمرٌ مستنفرة يعدو خيلٌ أصيلٌ أبيضٌ من بينها، أَكُنْتَ تتركه دون أن تظفر به! أكنت تتركه يعدو قبالك ولا تحرك منك ساكن!
أما الأمر الثالث الذي احتج به على التقييد هو أن للمقيد أن يطابق إرسالاتها المثبتة سابقا، مع مثيلاتها حاضرا. فنفسه حتما سيطيب لها أن ترى إرسالاتها السابقة فتقابلها باللاحقه. فما أعاد نفسه فقد أضاف فتيلا على فتيل حبله السابق متانة وقوة. وما كان جديدا فهو عون لما سيلحقه من إرسالات في المستقبل-قريبا كان هذا المستقبل أم بعيدا.
ولا ننسى أن مسألة تقييد خاطر اشبه بتوثيق وصية أو إفراغ أرض. فالأول يجعل العرض عينا فكذلك هي الحال نفسها تماما مع الآخر حذو القذة بالقذة. وكأن-كذلك- صاحبها يخرج تلك الخواطر من ضيق الصدر إلى سعة الكراريس.
ومن الأهمية بمكان أن التدوين لابد أن يكون مسبور الأغوار، واضح البيان للعيان، يكتب صاحبها مراده بدقة وعناية الأمر الذي يجعل عقل القارئ يستلذ بتتبع وسرد ما يقوله من دون أن يكون هناك للجهد أوالتشتيت سبيلا، وإلا ما فائدة التدوين دون سلاسة في العبارة ووضوح في المعنى!
وأخيرا، هذه بضاعتي من الأسباب التي جعلتني أنشئ مدونتي هذه، فالأصل فيها اثبات مكنون النفس ومحبوس فؤادها بِحُلة ارخاء العنان من دون حسيب ولا وجود رقيب. وقد يعجز المرء أحيانا خجلا أم جهلا عن أفصاح بغيته إن كان بين جمع وحضور، فلذلك تفاديا لعائق كهذا، آثرت أن أكتب ما أريد بيانه على صفحات مدونتي هذه من دون-كذلك- ضغط أو كلالة من أحد.
خاطرة على عجالة: أظن أني استرسلتُ كثيرا، فلا لوم، فأنا مجموعة فطر
وقد آن لخالد الفيصل أن يكتب قصيدة مطلعها : قالت من أنت وقلت مجموعة فطر.
(: