الإنسانُ مجبولٌ على فطرته، فمهما بلغتْ به الحياةُ سوءا فسعت به إلى مجانبة طريق الفطرة، واضطرته إلى الحيدة عن جادتها، فصاحبها لا محالة -وإن طال الزمان به- لراجعٌ إلى سلوكها مرة أخرى مهما كان بون الحيدة واسعا، وفرق المجانبة شاسعا. ومهما-كذلك- بلغت بذاك الإنسان تقاليدُ الشعوب وعاداتُ المجتمع كلَ مبلغ، فلن يكون لذينك الأخيرين القدرة على إزالة حتى بعض منها فضلا عن إزالتها كلها. وأنّا ذلك لتلك الشعوب وتلك المجتمعات، وفطرةُ الإنسان ركنٌ رئيسي من أركان نفسه لا تقوم بذاتها إلا بوجود الفِطَر مجتمعةً. فإن سقطتْ فلا إنسان ولا كيان. وليت شعري، وهل الإنسان إلا مجموعة فِطَرٍ جُبِلَ عليها صغيرا، وصقل بها كبيرا، فكيف لها أن تنفك عنه و تمكن رفث المجتمعات ولوث التقاليد من الإطاحة بكيانه وهز أركانه!
فمن تلك الفطر فطرةُ إرسال النفس على سجيتها، وإرخاء العنان لمطيتها، دون خلط هذا العمل بتصنع أو مراء. والسبب-في ظني- يعود إلى أن إطلاق النفس وإرسال خطامها -بعد رفع قيود وإزالة حواجز- يرث الطمأنينة والسكون، ويئد الهم والشجون. فالنفس-في أحوالها الطبيعية- تجد طمأنينة إن أفرغتْ مكنونها خصوصا وإن كان عبئا لا يسعها تحمله. طبعا، وإن كان الإطلاق في نفسه أمرا محمودا مبتغا من الناس قاطبة بلا استثناء، إلا أن نفعه يثمر ينعا إن اتبع ذاك الإرسال مباشرة باثبات على ورق و تقييد على سطور. وأحسب أن لهذا الإثبات أسبابا عده لزم عليّ ذكرُ بعضها.
منها، أن خواطر النفس تنهال على صاحبها ثم تفترق عنه على حين غرة. وشرٌ من هذا أنها لا تترك موضعا في القلب ولا كذلك حيزا في الصدر إلا أوسعته شغبا وفتنا. لذلك يتطلب الأمر تبعا تقيدها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولا غرابة أن يجد -لأول وهلة- صعوبةً في حبسها وصيدها -وذلك لقلة خبرةٍ أو ربما لانعدامها بالكلية- فتلك الخواطر عند التحقيق شيخاتُ هرج، وإئمةُ مرج قلما تلين جانبها لصدر أو تجثم هادئة على فؤاد. فيلزمه وقتئذ الإستعانة بصديق-والإستعانة خير-. فإن استعان عليها بنفسه دون معونةٍ من غيره، فلا شك برجحان كفتها. وإن استعان عليها بغيره مع الاستعانة بنفسه، فلا شك برجحان كفته. وأول باب من ابواب الاستعانة يتحتم عليه طرقه هو بابُ القلم. فالقلم خيرُ ركنٍ يُؤى إليه كعاصم من شرٍ، وأفضل يدٍ تضرب من حديد. ولا تقف حال آنف الذكر على ذلك فحسب، إنما هو كذلك شيخٌ في إسكان الفتن وضربِ أعناق مثيريها. ومع كون تلك الخواطر مثيرة شغب تعيث في الصدور فسادا، فهي لا تستطيع -وإن أجتمعت- على مجابهة القلم منفردا. وكيف لها ذلك، وسجون الخواطر-الدفاتر والكراريس- تشهد بقدمه في النزال، واسبقيته في القتال، ولسان حاله قبل أن ينخرط في الجندلة: [ إني لأرى خواطرا قد أينعت و حان قطافها، وإني لصاحبها.] فطفق قيدا بالخواطر والأعناق، يبعث بجيش قوامه الحبر وساحته الورق، فيقيد شاردة هنا و يحبس واردة هناك ويضرب عنق من وجوده كعدمه-فمنهم المصلحون ومنهم ما دون ذلك- حتى يأتي عليها جميعا. وكأني بالخواطر تصرخ عن يئس و قنوط لما ألتقى الجمعان: [ إنّا لمدركون!] فتعيدها مرة، فثانية، فثالثة، لكن لا حيلة لها من الخروج من شرر القلم وضرباته، فقد سبق السيف العذل.
هذا ما كان من أمر السبب الأول. أما السبب الثاني الذي أرى به وجوب تقييد تلك الخواطر، وإلقاء القبض عليها هو: أن من جملةِ تلك الخواطر خواطرا نادرة الحدوث، قليلة الظهور، لا يجدُها المُقَيِّدُ في جملة من نوعها إلا ما ندر. فنادرٌ شاردٌ نفيسٌ كهذا لا يُترك يطأ صدرا ثم يفر هاربا. ومن استكثر على نفسه تقييدها فقد خسر خيرا لا يُرى إلا قليلا. أرأيت إن أقْبلتْ عليك حمرٌ مستنفرة يعدو خيلٌ أصيلٌ أبيضٌ من بينها، أَكُنْتَ تتركه دون أن تظفر به! أكنت تتركه يعدو قبالك ولا تحرك منك ساكن!
أما الأمر الثالث الذي احتج به على التقييد هو أن للمقيد أن يطابق إرسالاتها المثبتة سابقا، مع مثيلاتها حاضرا. فنفسه حتما سيطيب لها أن ترى إرسالاتها السابقة فتقابلها باللاحقه. فما أعاد نفسه فقد أضاف فتيلا على فتيل حبله السابق متانة وقوة. وما كان جديدا فهو عون لما سيلحقه من إرسالات في المستقبل-قريبا كان هذا المستقبل أم بعيدا.
ولا ننسى أن مسألة تقييد خاطر اشبه بتوثيق وصية أو إفراغ أرض. فالأول يجعل العرض عينا فكذلك هي الحال نفسها تماما مع الآخر حذو القذة بالقذة. وكأن-كذلك- صاحبها يخرج تلك الخواطر من ضيق الصدر إلى سعة الكراريس.
ومن الأهمية بمكان أن التدوين لابد أن يكون مسبور الأغوار، واضح البيان للعيان، يكتب صاحبها مراده بدقة وعناية الأمر الذي يجعل عقل القارئ يستلذ بتتبع وسرد ما يقوله من دون أن يكون هناك للجهد أوالتشتيت سبيلا، وإلا ما فائدة التدوين دون سلاسة في العبارة ووضوح في المعنى!
وأخيرا، هذه بضاعتي من الأسباب التي جعلتني أنشئ مدونتي هذه، فالأصل فيها اثبات مكنون النفس ومحبوس فؤادها بِحُلة ارخاء العنان من دون حسيب ولا وجود رقيب. وقد يعجز المرء أحيانا خجلا أم جهلا عن أفصاح بغيته إن كان بين جمع وحضور، فلذلك تفاديا لعائق كهذا، آثرت أن أكتب ما أريد بيانه على صفحات مدونتي هذه من دون-كذلك- ضغط أو كلالة من أحد.
خاطرة على عجالة: أظن أني استرسلتُ كثيرا، فلا لوم، فأنا مجموعة فطر
وقد آن لخالد الفيصل أن يكتب قصيدة مطلعها : قالت من أنت وقلت مجموعة فطر.
(:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق