الخميس، 7 فبراير 2008

اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال!

إن للعلم وطلبه أهمية في حياة الإنسان تحاذي أو تفوق أهمية طلبه لمطعمه ومشربه. فإن كان مطعمُ الإنسان ومشربه قوتا لجسده يتقوى به على مواصلة حياته، فأن لعقله أيضا قوتا يتقوى به على مواصلة السير والجد على نفس الطريق ذاك- وإن كنت أرى أن توفير قوت للأخير أولى منه للأول-. فالعلم ومشتقاته (من كتابة وقراءة ومراجعة ومذاكرة) يظهر أثره واضحا على متعاطيه كما تظهر أثر النعمة على الآكل والشارب. وكلما داوم الإنسان مراسه وتعاطيه، كلما ازداد الظهور فيه لمعانا. ويتضح ذلك حين المخالطة باستماع قول أو إمعان في طرح. والفرق بين تعاطي الإثنين، هو أن لوعاء رأس متعاطي العلم-أعني بذلك عقله- القدرة في جلسة واحدة على إلتهام أكبر قدر من المعلومات مهما بلغ حجمهما دون أن يلحقه ضرر. على عكس حال متعاطي الطعام وحيث أنه يجد صعوبة -إن لم نقل استحالة- في جمع قدر كبير من الأطعمة في وعاء بطنه. وقد شوهد البعض يقرأ لأكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة، بينما لم نر أحدا بلغ حتى عشر تلك المدة في الأكل. وأنا على يقين أنه لو استطاع أحدنا أن يقضي خُمُسَ تلك المدة أكلا وشُربا، لوجب على القائمين بكتاب جينيس(الكتاب المعني بالأرقام والمنجزات القياسية) أن يثبتوا عمله هذا كإنجاز لا مثيل له. ولو جاز أن تظهر على الإنسان أعراض بسبب "الإفراط" في تعاطي العلم كاعراض الإفراط في تناول الطعام، لرأينا رؤوسا بشرية بلغت بحجمها حجم رؤوس الفيلة وضخام الدواب. ولربما خرج للناس فن "الحمية العلمية" جريا على عادة "الحمية البدنية" -وإن كنت أرى صعوبة ذلك، فالتخلص من شحوم الجسد له وسائله الكثيرة بعكس التخلص من "شحوم" العقل والذي لا وسائل له البتة. واعلم ان متعاطي الأول لا تظهر عليه تخمة أو بطنة أو تكور كعرض سلبي على عقله بينما الآخر تظهر بشكل واضح لا لبس فيه و على بطنه بالذات، بل إن البشر لم يسجلوا تلك الأعراض الثلاثة السابقة الذكر كأعراض سلبية مضرة لجسد الإنسان إلا بعد تعاطيه ودوام ممارسته!
واعلم كذلك أن للجسد علل تصيب بعضه أو كله، فمنها ما تأتي عليه فتهلكه ومنها ما دون ذلك، ومع كون تلك الآفات والعلل تتفاوت في ضررها، إلا أن علل العقول أشد وقعا على أصحابها وأعظم نكالا بهم. حتى وإن كان لعلل الأخير تفاوت في الدرجة والضرر، فهي حتما تزيد على علل الأول (بصغيرها وكبيرها) فتكا وتتقدمه بمراحل عده. فلا وجه للمقارنة هنا ولا سبيل للمساواة. وكم من جاهل لقي حتف نفسه وجدع انفه لقلة علم أو لانتفائه. وكم من عالم رفعه علمه حتى بلغ المعالي، واستحق به المكارم. ولا ننسى طبيعة الإنسان الناقصة، فبسبب عدم كمالها، فهي تبحث دائما عما يخفي ذاك النقصان أو يردمه بالكلية. والكيس الفطن يجعل من العلم ومن تتبع كلأه ومرعاه خير وسيلة لذلك. بل إن أحسن استعماله وسلك وجهته مطابقة، فسوف يعاين رأي العين أن العلم لن يقف دوره على ردم أو أخفاء عيوب فحسب، إنما سيزيده حللا وسيلبسه خُلَعًا تجلعه كعبة لأعين الناس ونبراسا لخواصهم.

هذه مقدمة بسيطة لما سأطرحه في المستقبل القريب عن تجربتي في طلب العلم سواءا الأكاديمي منه أو ما كان من تلقاء نفسي. ولعلي إن شاء الله أذكر تفاصيل الأثنين معا على مواضيع متفرقة فأشبعهما شرحا وتبيانا كي يستفيد المطلع ويتعض بتجربة غيره. وربما طال بي المقام في ذلك، لذلك آثرت أن أجعلها مواضيع عدة مرتبة زمنيا من بداية التخرج من المرحلة الثانوية حتى الإنتهاء من أختها الجامعية.

(:

ليست هناك تعليقات: