
هو كتاب لطيف وسفر شريف، قل أن يوجد له مثيل أو أن يستعاض عنه ببديل، عَلَمٌ على الأدب ونبراس لأشعار الغناء و قبلة المتأدبين. حوى جُلّ أغاني العرب وأشعارهم، و ذكْر أحاديثهم وقصصهم. وهو كتاب فريدٌ في فنه، قد استوعب أطراف الفن، وجمع شتات المسائل ومنثور الفوائد. فلم يدع آبدة إلا وقيدها، ولا كذلك شاردة إلا وردها إليه. ما رأيت ولا عاينت كتابا ككتابه هذا في الأدب وفروعه. ألفه -في أربع وعشرين مجلدا- شيخُ الأدب العلامة، الحبرُ الفهامة أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني الأموي القرشي، في خمسين سنة. وما زلتُ أقرا في كتابه هذا، فازداد عجبا به وحبا له. فكلما فرغتُ من قراءة مجلدٍ، فشرعتُ في الذي يليه، كلما ازداد شغفي به وميلي إليه. حتى أني ما كنتُ اسافر لبلد ولا أذهب لمكان بعيد إلا واتخذته خير سمير وأفضل جليس ينزع الهم ويقتل الهم. وقل ما يوجد كتابٌ في مثل تأليفه، فقد بسط صاحبُه مادته على نهج لا يمل منه القارئ ولا تأنف منه نفس متتبع. فهو يبدأ بترجمة ثم يخلط أشعار صاحب الترجمة بقصص عنه، وهكذا دواليك. فلا يجعل كل ما ذُكر عنه شعرا، ولا كذلك قصصا، إنما عوان بين ذلك، فيذكره ترجمته أولا ثم يذكر قصة يتخللها شعر، ثم يخرج إلى نقد ما قيل عنه نقدا أدبيا ثم يرجع مرة إلى ذكر طرفة تنشرح صدر القارئ بها. فلم يزل على طريقته تلك متنقلا بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرفا فيها بين جد وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأيامها المأثورة، الأمر الذي اسهم بشكل كبير إلى جذب الناس إلى كتابه هذا طواعية قل من ينجو من شراكه و السقوط في حفرته.
وقد عيب عليه في كتابه هذا بعض الأمور، ولا أرى أن مآخذهم عليه في مواضعها، فالإنسان مهما بلغت به الدقة حتما سيخطأ في بعض تصانيفه ونقله خصوصا وأن صاحب الكتاب قد عكف على تأليفه قرابة خمسين سنة، فهل يظن أحد أن كتابا ألف في مدة كهذا سيخلو من الأخطاء والعيوب! فإن أخطأ في نقل بعض الأمور و وضعها في غير محلها، فغيره من الكتاب ألفوا كتبا في وقت قصير جدا مقارنة بوقت تأليف كتاب أبي الفرج، ومع هذا فقد استشرت الأخطاء في كتبهم وفاحت رائحتها. ومن الغرابة بمكان عند بعض النقاد على كتابه وجدتها عند ابن الجوزي والذي زعم أن أبا الفرج صرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق ويهوى شرب الخمر. وأنا لا أنكر ذكره لأمور مخلة بالآداب، إلا أن ابن الجوزي نفسه قد ذكر في كتابه أخبار النساء قصصا مضمونها يقع بين السرة إلى الركبة -والمعنى بين فخذي الكاتب-، فكيف جاز له ان يتهمه على أمر هو في كتبه أيضا!
ولا أريد في موضوعي هذا أن أعيد مرة أخرى ترجمة صاحب الكتاب، فقد بسطها المعلقون عليه الشارحون له أيما بسط لكن أريد أن أذكر بعض أموره العجيبة. فقد ذكر عن أبي الفرج أنه متشيع لآل البيت على آل مروان! رغم أنه أموي من نسل مروان بن الحكم نفسه! كذلك قيل عنه أنه قليل الاعتناء بنظافة جسمه وثيابه، فقد كان وسخا قذرا في ثوبه وفعله، وكان الناس يحذرون لسانه ويتقون هجاءه ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومشاربته. وكان أكولا نهما، وكان إذا ثقل الطعام في معدته تناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا ولا يؤذيه ولا تدمع منه عينه( إن هذا والله لشيء عجاب)!
وليعلم القارئ والقارئة الكريمان، أني ما أبتدأت بكتاب الأغاني إلا لأنه من أفضل الكتب عندي قراءة واطلاعا، وسأعوج على بقية كتب مكتبتي، فأذكر للقارئ الجيد منها، واحذره مما اشتريتها فندمت على ذلك.
(:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق