أرى أن قراءة الكتب المترجمة لا تيسر وصول مراد المؤلف بسهولة إلى عقل القارئ مثلما لو قُرئ الكتاب بلغته الأم. وذلك لأن معظم المترجمين للكتب مهما بلغت قدرتهم اللغوية على محاذاة مراد المؤلف، فلن يصيبوها بالكلية. وخصوصا وإن كان الكتاب كتابا علميا بحتا يعتمد على مصطلحات دقيقة. وقد ضاعت فوائد كثيرة بين سطور كُتُبٍ تُرجمت، فضاع معها رونق الموضوع ولذة قراءته. والسبب الرئيس يعود طبعا إلى جهل المترجم بتخصص المؤلف وفن ذاك الكتاب، حتى وإن كان فحلا من فحول الترجمة. فإن حاصره مصطلحٌ علمي وجعله في ضيقٍ من الترجمة، فهو سيترجمه مقابلة بلغته إلى كلمة عامة وجملة مبهمة لا يستطيع القارئ أن يعي مقصد المؤلف بها. بل ولربما زاد الأمر سوءا، فحاد بترجمته تلك إلى طريق لم يُرِدْ المؤلف اتخاذه أصلا!فمثلا، كتاب عن لغة الجافا- والتي تستخدم في كتابة برامجا وأكوادا للحاسوب- اطلعني عليه أحد زملاء الدراسة، فأخذتُ أمعن في بعض نصوصه، فوجدتُ والله العجب العجاب في كيفية ترجمة بعض المصطلحات الدارجة في تلك اللغة! رأيت والله غموضا اشبه ما يكون بطلاسم المشعوذين وتمتة السحرة، وحيث أن المترجم أراد أن يعرب المتن فأعجمه، أو بالأحرى أراد أن يكحله فأعماه! هذا مع أني أكاد أحيط بهذه اللغة، فكيف بمن جهلها وأراد تعلمها بداية! والأمر كذلك وجدته في كتاب اسمه بلغته :[Men Are From MARS, and Women Are From VENUS] وهو كتاب تستلذ به العقول ويسيل لرؤيته لعابها. إلا أني قد قرأت أيضا كتابه نفسه هذا مترجما إلى العربية فوجدتُ أن الفائدة منه لم تقع في قلبي كما وقعت حين قراءته بلغة المؤلف. ولا بد من معرفة أن الكاتب حينما يكتب يضع نفسه وقلبه فيما يكتبه، فالمترجم -وإن كان حذقا في فن الترجمة-لا سبيل له الإفصاح عن روح الكاتب وقلبه ترجمةً لكون النفس والقلب لا يعلم بهما إلا صاحبها. والأمر لا يقتصر على ترجمة كتب فحسب، إنما كذلك ترجمة أفلام ومسلسلات. ألا ترى في بعض المسلسلات المترجمة أن مقطعا منه يُفترض أن يُضحك المشاهد، فحين تقرأ ترجمته في الأسفل لا يوحي لك بأي طرفة تستنبط من ثناياه! كذلك من مشاكل الترجمة التي عاينتها هي عدم اتفاق المترجمين على توحيد ترجمة مصطلح علمي معين. فتجد مترجما يترجم مصطلحا، ترجَمَهُ غيره بلفظ مغاير. وكلاهما من حيث لا يعلمان زادا المتن حيرة وعلى الفهم صعوبة. والضرر طبعا يعود أولا وأخيرا على القراء.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق