اليوم وبعد أن اصدر مسجل الجامعة وثيقة تخرجي، وقدمها لي نيابة عنه سكرتيره الموقر، أحسست بشعور غريب جدا لم يخالط جسدي من قبل. أحسست أن سكينة هبطت علي من السماء، أو وقارا ألقت به الأرض من جوفها، أو سكونا أصاب جوارحي فخلف استقرارا، أو هدوءا دمل جروح القلب بطمأنينة. أحسست بشعور هو شبيه بعض الشيء بآخر عالجتُه قبل زمن وحين. كنتُ وقتها في مغطس حمام ملأته ماءا بأكمله، فغَمستُ فيه جسدي كله وابقيت عيني فما فوقها على سطح الماء للحظات قبيل أقفال صنبور الماء. ثم جعلت أرقب المكان من حولي وكله ساكن لا ينبت ببنت حركة، فأجد أذني تلتقط طواعية وقع قطرات الماء من الصنبور على سطح الماء، و أجد شعري أخذ يجف ببطء فيلبسني شعورا كله لذة وسبور. ثم تأتي قشعريرة على حين فجأة من الجسدِ فتسري مسرعة من رأسي إلى أخمص قدمي وكأنها تسعى إلى نفض قطرات الماء عنه. ياااااااااه! ما هذا الشعور! ما هذا الأحساس؟ أكل هذا من أجل وريقة! أكله من أجل هذه الخضراء التي بوسعي أن أمزقها بأطراف أصابعي، بل بطرف أصبعين فقط! هيهٍ يا جسد ابن موسى، اختل توازنك واضطربت جوارحك طربا لوريقه! ليت شعري، ما الذي ستشعر به إن كان الأمر على كتاب!
جعلت اقلب الوثيقة ظهرا على عقب وأنظر إليها وأمعن في تفاصيلها كالمنكر الواجم وأقول لنفسي هذه وريقة زرعت بذورها فعالجتُها دأبا ثم آتت أكلها بعد ثمان سنين عجاف أكلن وقتي وجهدي! ثم لما؟ ليمكنوني من هذه الوريقة!
سرت عائدا إلى سيارتي، فرأيت مبناني الجامعة على غير ما كنتُ أراها من قبل.وسلكت ممرات في الجامعة كنتُ اتجنبها. واستنشقت عبير زهورها ولقاح نخلها، فلم تتسع رئتي هواءا بمثل ما اتسعت قبلها، ورايت وجوها ناضرة والله، إليّ ناظرة قد وقعت عليها قبيل الوثيقة عيني فوجدتها وجوها غبرة ترهقها قترة، فلم تكن نفسي ترنو حتى أن تلقي نظرة خاطفة عليها! ليت شعري! أصبحت تلك الوريقة تاريخا يتبعه الناس ويربطون به أمورهم! بل أصبحت نواصي الناس معقودة عليها. فإن ذهبت، ذهب معها صاحبها فهلك عن يد وهو صاغر!
يا ويح بني البشر، اصبحت الأوراق تحكمهم! تلك وريقة لا يخرج صاحبها من البلاد إلا بها، ولا يدخلها أيضا إلا بها. وتلك أخرى لا يجد لقمة عيش ولا سد رمق إلا بـ "إذن خطي" منها. منها -وإليها- مناط الحياة وعمود العيش، تقتل إنسانا وتفتديه بنفسها. ترفع واحد وتردي غيره.
تعالي إلي لا أُمّ لك. فلأضعنك في موضع لا تصل إليه يد بشر ولا عين إنسان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق